ابن عجيبة

555

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : سبب النجاة من الهلاك في الدارين : توحيد اللّه ، وتعظيم من جاء من عند اللّه . وسبب الهلاك : الإشراك باللّه ، وإهانة من عظمه اللّه . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر رسالة موسى عليه السّلام بعد شعيب ؛ لأنه من تلامذته ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 96 إلى 99 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ( 99 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ؛ بمعجزاتنا الدالة على صدقه ، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ؛ وتسلط ظاهر على فرعون ، أو برهان بيّن على نبوته . قال البيضاوي : والفرق بينهما : أن الآية نعم الأمارة والدليل القاطع ، والسلطان يخص بالقاطع ، والمبين يخص بما فيه جلاء . ه . أرسلناه إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ؛ جماعته ، فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ أي : اتبعوا أمره بالكفر بموسى ، أو : فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق ، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة ، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان ، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل ؛ لفرط جهالتهم ، وعدم استبصارهم ، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي : ليس أمره برشد وصواب ، وإنما هو غى وضلال . يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى النار ، كما يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال ، فَأَوْرَدَهُمُ : أدخلهم النَّارَ ذكره بلفظ الماضي ؛ مبالغة في تحققه ، ونزّل النار لهم منزلة الماء ، فسمى إتيانها موردا . ثم قال : وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ أي : بئس المورد الذي وردوه ، فإنّ المورد إنما يراد لتبريد الأكباد ، وتسكين العطش ، والنار بضد ذلك . والآية كالدليل على قوله : وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ؛ فإنّ من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد ، أو تفسير له ، على أن المراد بالرشيد : ما يكون مأمون العاقبة حميدها . قاله البيضاوي . وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي : تتبعهم اللعنة في الدارين بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ : بئس العون المعان ، أو العطاء المعطى . فالرفد : العطاء ، والإرفاد : المعونة ، ومنه : رفادة قريش ، أي : معونتهم للفقراء في الحج بالطعام . والمخصوص بالذم محذوف ، أي : رفدهم ، وهو اللعنة في الدارين . الإشارة : إذا أردت أن تعرف قدر الرجل في مرتبة الخصوصية ؛ فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به ، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص ، إن دامت صحبته معه ، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم .